أسباب ضيق الرّزق

أسباب ضيق الرّزق


    قدَّرَ الله لِعبادِهِ أنَّهم مرزوقونَ مِن مُلكِهِ بأحدِ صورتينِ؛ فالأولى رِزقٌ رَبَّانيٌّ يَطلُبُ العَبدَ ويُقسَمُ لهُ من غيرِ كدٍّ ولا طَلَب، ويتحقَّقُ امتِلاكُ العبدِ لَهُ من أبوابَ مُختَلِفةٍ كالميراثِ. والصُّورةُ الثَّانيةُ للرِّزقِ فإنَّما تتمثَّلُ باجتِهادِ العبدِ وسَعيِهِ للعَملِ والكسبِ الحلالِ الطيِّبِ، فَهوَ رِزقٌ يَطلُبُه العَبدُ ويسعى لامتِلاكِهِ وتحقيقِه، وكِلتا الصُّورتينِ من صورِ الرِّزقِ لا تتحصَّلُ إلا برحمةِ اللهِ وإرادته ، فلن ينال العبد إلّا ما قدَّره الله له، ومهما أتاه من متاعب الحياة وهمومها ما يمنعه عن تحصيل رزقه، فإنّ ما كتبه الله آتيه رغم جميع ذلك، فقد رُوي عن أبي الدرداء أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ الرزقَ لَيَطْلُبُ العبدَ أكْثَرَ مِمَّا يطلبُه أجلُهُ"


    أسباب ضيق الرّزق

    أشارَ العُلماءُ أنَّ الرِّزقَ غير محصورٍ بالمالِ؛ بل يتعدَّاهُ إلى الصِّحَّةِ، والعافِيةِ، والذُّريَّةِ، والاستِقرارِ الأسريّ وغيرَ ذلِكَ الكَثيرَ مِن نِعمِ اللهِ التي لا يُحصيها عَقلُ آدميّ. وفي تفسيرِ قولِهِ تَعالى: (لهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، يَقولُ الطَّبري: (يُوسِّعُ رِزقَه وفَضلَه على من يَشاءُ من خَلقِه، ويَبسُطُ لَه، ويُكثِّر ماله ويُغنيه. ويَقدِر: أي ويَقتُر على من يَشاءُ مِنهم فيضيِّقُه ويُفقِره).
     فإنَّ اللهَ تَعالى يَحكُمُ بِعلمِهِ الواسِعِ وحِكمَتِهِ بأن يوسِّعَ على من يَشاءُ لِعلمِهِ بِمن يُصلِحُهُ البسطُ في الرِّزقِ أو يُفسِدُه، ويُقتِرُ على من يَشاءُ لِعلمِهِ بِمن يصلِحهُ التَّقتيرُ عليهِ أو يُفسِدُه، وقد يكون المنع في الرِّزقِ جزاءً على الإحسانِ للمُسلِمِ ولِغيرِهِ كما قد تَكونُ ابتلاءً وكذلِك أمرُ التَّقتير، وقَد وَرَد في آياتِ الله وسُنَّةِ الرَّسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أسبابٌ ودلالاتٌ لِضيقِ الرِّزقِ، وفيما يلي عرضٌ لِبعضِها :

    المعاصي والذُّنوب: فقَد يُحرَمُ العبدُ رِزقاً مَكتوباً لهُ بذنبٍ يأتيهِ أو معصِيةً يستَهينُ بِها، فعن ثوبانَ مولى رسولِ الله عن الرَّسولِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قال: (إنَّ الرَّجلَ ليُحرمُ الرِّزقَ بالذَّنبِ يُصيبُه) فإنَّ العَبدُ يُحرَمُ الرِّزقَ جزاءً بِما ارتَكبَ من المعاصي والذُّنوبِ أو يُحرَمُ برَكتَه، فلا يأتيهِ رِزقَهُ إلَّا مُنغَّصاً مَنزوعَ البَرَكةِ.
    كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتَ اللهَ يُعطِي العبدَ مِن الدنيا على معاصيه ما يحبُّ، فإنما هو استدراجٌ، ثم تلا صلى الله عليه وسلم: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) ".

    القيام ببعض الأعمال الشركية أو التي فيها معنىً شركي : كاعتقاد أنّ النفع والضُر يقدر عليه غير الله، وهجران كتاب الله وعدم قراءته وتدبر آياته وعدم التقرب من الله.

    الزِّنا: فعَن عبد الله عمر رضِيَ اللهُ عنهُ عن رَسولِ اللهِ عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ أنَّه قال: (الزِّنا يورِثُ الفقرَ)، وقَد قُرِن الزِّنا بالفَقر في أكثَرِ من مَوضِعٍ في الأثَرِ لِما لهُ مِن فسادٍ للمُجتَمعاتِ وهَدمٍ لِبنيانها. 

    الرِّبا والكَسبُ المُحرَّم: عن عَمرو بن العاصِ رضِيَ الله عنهُ عن رَسولِ الله عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام أنَّهُ قال: (ما مِن قومٍ يَظهرُ فيهِمُ الرِّبا إلَّا أُخِذوا بالسَّنةِ وما مِن قومٍ يَظهرُ فيهم الرِّشا إلَّا أُخِذوا بالرُّعبِ)، وقَد وَعَدَ الله المُتَعامِلينَ بالرِّبا بالفَقرِ والخَسارَةِ، فقالَ في كِتابِهِ العظيم: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ )؛ فيَمحَقُ اللهُ الرِّبا بأن يذهبَ بِهِ كلّه أو يذهب بِبَرَكَتِه وفي كِلاهُما فسادٌ في المالِ وذهابٌ للرِّزقِ.

    نَقصُ المِكيالِ والمِيزان: ويَشهَدُ تاريخُ الأمَمِ الغابِرةِ على صِدقِ وبيِّنةِ هذا السَّببِ، وقَد أخبَرَ بِهذا رَسولُنا الكريم عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُحذِّراً أمَّتَهُ الفَقرَ والخَرابَ. رَوى عبد الله بن عُمر : ( أقبلَ علينا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ يا معشرَ المُهاجِرينَ خمسٌ إذا ابتُليتُمْ بِهِنَّ وأعوذُ باللَّهِ أن تدرِكوهنَّ لم تَظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلِنوا بِها إلَّا فَشا فيهمُ الطَّاعونُ والأوجاعُ الَّتي لم تَكُن مَضت في أسلافِهِمُ الَّذينَ مَضوا ولم ينقُصوا المِكْيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنينَ وشدَّةِ المئونَةِ وجَورِ السُّلطانِ عليهِم ولم يمنَعوا زَكاةَ أموالِهِم إلَّا مُنِعوا القَطرَ منَ السَّماءِ ولَولا البَهائمُ لم يُمطَروا ولم يَنقُضوا عَهْدَ اللَّهِ وعَهْدَ رسولِهِ إلَّا سلَّطَ اللَّهُ عليهم عدوًّا من غيرِهِم فأخَذوا بعضَ ما في أيدَيهِم وما لَم تَحكُم أئمَّتُهُم بِكِتابِ اللَّهِ ويتخيَّروا مِمَّا أنزلَ اللَّهُ إلَّا جعلَ اللَّهُ بأسَهُم بينَهُم).

     قَطعُ الرَّحم: فصِلَةُ الرَّحمِ من الطَّاعاتِ الجالِبةِ للرِّزقِ والبركةِ وقطيعةُ الرَّحمِ مَفسَدةٌ وظُلمٌ ومعصيةٌ تستَدعي تعطيلَ الرِّزقِ ومَنعِه، عن أنس بن مالك رَضِيَ الله عنهُ أنَّ رَسولَ الله عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قال: (مَن أحَبَّ أنْ يُبسَطَ له في رزقِه ويُنسَأَ له في أجَلِه فلْيتَّقِ اللهَ ولْيصِلْ رحِمَه)
    AHmeD
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الهنتريش .

    إرسال تعليق