التابعين المجددين (محمد بن سيرين) ٢

التابعين المجددين (محمد بن سيرين) ٢

    محمد بن سيرين

    عبادته :

    كان زاهدًا تغشاه خشية الرحمن كان لا يريد شيئًا من تلك الدنيا الفانية الزائلة فكان يضع الجنة نصب عينيه كهدف والنار أيضًا كمكان لا يريد أن يطأه فقد كان عابدًا عالمًا ورعًا وإليكم بعض أقوال ممن شهدوا له في هذا الشأن:
    عن أيوب قال : كان أبن سيرين يصوم يوماً ويفطر يوماً
    وقال ابن عون : كان محمد يصوم عاشوراء يومين ثم يُفطر بعد ذلك يومين
    وعن أنس بن سيرين قال : كان لمحمد سبعة أوراد فإن فاته شيء من الليل قرأه بالنهار
    وقال موسى بن المغيرة : رأيتُ محمد بن سيرين يدخل السوق نصف النهار يكبر ويسبح ويذكر الله عز وجل
    فقال له رجل :يا أبا بكر في هذه الساعة قال: إنها ساعة غفلة
    وقال عاصم الأحول : كان عامة كلام ابن سيرين سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
    وقال هشام :كان ابن سيرين يحيى الليل في رمضان .


    زهده وورعه رحمه الله

    كان نموذج مثالي للزهد والورع في عصره وقد ذكرنا سالفًا قول مورق العجلي عن ورع وزهد محمد بن سيرين قائلاً:
     ما رأيت أحداً أفقه في ورعه ولا أورع من فقه من محمد بن سيرين وأنا أتقلب بين المصادر في القراءة عنه لم أجد أفضل من أن آتيكم بمن شهدوا له من أهل زمانه في شؤونه فهم أصدق لأنهم باشروه وعرفوه وإليكم بعض ممن شهدوا له :

    قال عنه يونس بن عُبيد : لم يكن يعرض لمحمدٍ أمران في ذمته إلا أخذ بأوثقهما .
    وقال بكر بن عبدالله المزني : من أراد أن ينظر إلى أورع من أدركنا فلينظر إلى محمد بن سيرين
    وقال هشام بن حسان : كان محمد يَّتجر فإذا ارتاب في شيء تركه.
    قال ابو عون كان محمد من أشد الناس إزراء على نفسه .
    وقال غالب القطان : خذوا بحلم ابن سيرين ولا تأخذوا بغضب الحسن
    وعن هشام بن حسان ان ابن سيرين اشترى بيعا من منونياً فأشرف فيه على ربح ثمانين ألفاً فعرض في قلبه شيء فتركه. قال ابن هشام : ما هو والله بربا.
    وعن ميمون بن مهران قال : قدمت الكوفه وأنا أريد أن أشتري البز فأتيت ابن سيرين بالكوفه فساومته فجعل إذا صنفا من أصناف البز قال : هل رضيت ؟ فأقول نعم فيعيد ذلك على ثلاث مرات ثم يدعو رجلين فيشهدهما وكان لا يشتري ولا يبيع بهذه الدراهم الحجاجية فلما رأيت ورعه
    ما تركت شيئاً من حاجتي أجده إلا اشتريتهُ حتى لفائف البز.
    وكان _رحمه الله_ من شدة ورعه لا يأكل حرامًا ولا يترك فرصة لغيره أن يأكل حرامًا فعن أبو بكر صاحب القوارير قال : جاء رجل إلى محمد ابن سيرين فادعى عليه درهمين . فأبى أن يعطيه فقال له : تحلف ؟ قال نعم. فقيل له يا أبا بكر تحلف على درهمين
    قال لا أطعمه حراما وأنا أعلم.
    وبلغ من ورعه أنه كان لا يطلق بصره ودائما يغضه في يقظته وليس هذا فحسب بل وفي منامه أيضًا وقد قال محمد ابن سيرين عن نفسه في هذا الشأن :
     إني أرى المرأة في المنام فأعرف أنها لا تحل لي فاصرف بصري عنها وما أتيت امرأة في نوم ولا يقظة إلا أم عبدالله يعني زوجته .
    وكان ينصح المشتغلين بالتجارة بهذه النصيحة الثمينة، فعن هشام عن محمد بن سيرين قال :
    كان مما يقول للرجل إذا أراد أن يسافر في التجارة اتق الله تعالى واطلب ما قُدر لك في الحلال فإنك إن تطلبه من غير ذلك لم تصب أكثر من ما قُدر لك .
    وكان ينزه نفسه ويتورع عن المنافسة على المناصب بل كان زاهدًا إياها و إذا تم عرضها عليها وكان يُرادُ على القضاء فيفر الى الشام مرة وإلى اليمامة أخرى وكان إذا قدم البصرة كان يتخفى حتى يخرج منها .

    وكانت كل مجالسه حافلة بالخير والعلم والبر والذكر والعظة وتخلو من الغيبة وأمثلة ذلك:
     سمع ذات يوم أحدواحد من الجالسين في مجلسه يسب الحجاج بن يوسف الثقفي وكان الحجاج حينها قد توفى فلما سمع ابن سيرين الرجل يسب الحجاج دنا منه قائلاً :

     "لا تتكلم هكذا يا ابن أخي فإن الحجاج مضى إلى ربه وإنك حين تقدم على الله عز وجل ستجد ُ أن أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشدُّ على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج . فلكل منكما يومئذ شأن يغنيه واعلم يا ابن أخي أن الله عز وجل سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم كما سيقتص للحجاج ممن يظلمونه فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسب أحد ". 

    وعن جرير ابن حازم قال : سمعت محمد بن سيرين يحدث رجلا فقال ما رأيت الرجل الأسود ثم قال استغفر الله ما أراني إلا قد اغتبت الرجل.
    وعن طلق بن وهب الطاحي قال : دخلت على محمد بن سيرين وقد كنت اشتكيت.
    فقال : ائت فلانا فاستوصفه فإن حسن العلم بالطب.
    ثم قال: ولكن ائت فلاناً فإنه أعلم منه
     ثم قال أستغفر الله ما أراني إلا قد اغتبته
    .

    قصة سجنه:

    وبلغ به الورع درجة رفيعة لا يتخيلها خاطر إنسان حتى أنه عندما كان يعمل بتجارة الزيوت اشترى كمية كبيرة وعندما فتح إحدى الصفائح وجد فيها فأرًا ميتا متعفنًا فقال ربما اختلط بزيت المعصرة أجمع وخاف أن يرجعه إلى من أشتراه منه فيبيعه للناس ويأكل حرامًا ويضر بالمشتريين فأتلف الكمية وفضل السجن لأنه لا يملك ثمنها وعندما سُجن حدث له موقف مدهش أتمنى أن تتعايشوا معه بأرواحكم وقلوبكم.

    فعن عبدالحميد بن عبدالله بن يسار أن السجان قال لابن سيرين : إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك فإذا أصبحت فتعال قال : لا والله لا أكون لك عوناً لك على خيانة السلطان .


    محمد بن سيرين سجن بسبب ورعه وأمانته، عرّض نفسه للسجن ابتغاء أكل الحلال وعدم الضرر بغيره وهذا بالطبع جهاد وابتغاء مرضات الله ولكن بالطبع لن تنتهي القصة هنا بل ستبدأ قصته في تفسير الأحلام من السجن وهذا موضوعنا القادم وكيف خرج كل هذا النور من ظلمة السجون، ادعكم في كنف الله متشوقة للحديث القادم 

    أمنية خالد
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الهنتريش .

    إرسال تعليق