الحسن البصري سيد التابعيين ومؤسس علم إصلاح القلوب
نسبه:
قد قصت مصادر التاريخ أنه في عصر عمر بن الخطاب لما كثرت الفتوحات الإسلامية كان المسلمون يحاربون الفرس ولما فتحت بلدة ميسان أسفل البصرة كان من بين السبي رجل من اصل فارسي يسمى (فيروز)، وابنة عمه وتسمى (خيرة).
فكان فيروز يعمل عند زيد بن ثابت وخيرة مولاة لأم المومنين أم سلمة.
تفاجأ فيروز بأن زيد بن ثابت يجيد الفارسية وليس هذا فحسب بل وانبهر بأخلاقه فكان زيد يعامله معاملة حسنة وكان يقول لفيروز (إن بعد العسر يسرَا) فيرد عليه من أين يأتي اليسر فسماه زيد باسم(يسار) وكان يناديه به وكان فيروز يحمل أدبِا فارسيَا نعم فقد كان من سلالة ملوك الفرس وكان زيد يعامله كصديق له حتى أحب الإسلام وأسلم متأثرًا بالصحابي الجليل زيد بن ثابت.أما بنت عمه (خيرة) فكانت مولاة لأم سلمة وقد أسلمت هي الأخرى من حسن معاملة أم المومنين لها.بعد ذلك زيت بن ثابت أعتق يسار وزوجه من بنت عمه خيرة. ويذكر الذهبي : أن والد ( الحسن) قد تزوج بأمه بعد أن سكن المدينة المنورة واعتق وذلك في خلافة سيدنا عمر .
وأما عن مولده : ولد الحسن في بيت أم المومنين أم سلمة زوج النبي بالمدينة المنورة سنة إحدى وعشرين من الهجرة لسنتين من خلافة عمر بن الخطاب ويوافق ذلك سنة 641م .فما أجمله وأجله من ميلاد فقد ولد في بيت النبوة وفي المدينة وفي عصر الفاروق وفي كنف الصحابة، وليس هذا فحسب بل كانت أم سلمة عندما ترسل أمه خيرة لتقضي حاجات لها فتترك معها الحسن فيبكي ويجوع فتضمه أم سلمة ويلتقم ثديها فيجري الله له لبنًا من ام سلمة وكانت تخرجه للصحابة فيدعون له حتى أن الفاروق دعا له دعوة ظلت معه عمره، و قد روى الحافظ الذهبي عن محمد بن سلام عن أبي عمرو الشعاب بسنده انه قال :
( كانت أم سلمة تبعث أم الحسن في الحاجة فيبكي وهو طفل فتسكته أم سلمة بثديها , وتخرجه إلى أصحاب رسول الله وهو صغير , وكانت امة منقطعة إليها , فكانوا يدعون له , فأخرجته إلى عمر فدعا له وقال:
( اللهم فقه في الدين وحببه إلى الناس ) .
نشأته
يقول صاحب ( تذكرة الحفاظ ) :-( نشأ بالمدينة , وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان , وسمعه يخطب مرات , وكان يوم الدار ابن أربع عشرة سنة , ثم كبر , ولازم الجهاد , ولازم العلم والعمل , وكان احد الشجعان الموصوفين , يذكر مع قطري بن الفجاءة وصار كاتبا في دولة معاوية لوالي خراسان : الربيع ين زياد , حدث عن عثمان وعمران بن حصين والمغيرة بن شعبة , وعبد الرحمن بن سمرة , وسمة بن جندب , وجندب البجلي , وابن عباس , وابن عمير , وأبي بكرة , وعمرو بن تغلب وجابر , وطائفة كثيرة ) .
لقد تلقى الحسن البصري علمه من مناهل علوم الصحابة وهم ينابيع العلم , وحملة الميراث النبوي المحمدي .
قالوا عن الحسن البصري :
فكان بعض الصحابة يؤثر الحسن بالفتيا، فقد روى الحافظ الذهبي عن أنس بن مالك قال :
( سلوا الحسن , فأنه حفظ ونسينا ) .
و روى عن قتادة التابعي انه قال :
( ما جمعت علم الحسن إلى احد من العلماء إلا وجدت له فضلا عليه ) .
وقال محمد بن سعد في طبقاته :
( كان الحسن رحمه الله تعالى جامعا , عالما , رفيعا , فقيها , ثقة , حجة , مأمونا , عابدا , ناسكا , كثير العلم , فصيحا , جميلا , وسيما ) .
وكان الحسن البصري سيد التابعين فقد قال الذهبي في ترجمة الحسن :
( وكان سيد أهل زمانه علما وعملا ) .وكان الصحابة يشبهونه باصحابهم السابقين الذين عاصروا النبي _صلى الله عليه وسلم_ وروي الذهبي عن علي بن يزيد أنه قال : سمعت من ابن المسيب وعروة القاسم وغيرهم : ( ما رأيت مثل الحسن ولو أدرك الصحابة وله مثل أسنانهم ما تقدموه ) . وعن أبي بردة انه قال :( ما رأيت أحدا أشبه بأصحاب محمد منه ) .
قال أبو عمرو بن العلاء:
(ما رأيت أفصح من الحسن البصري).
وكانوا يشبهون كلامه بكلام الأنبياء_عليهم السلام_، فقد قال الإمام الغزالي:
"وكان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم، هديا من الصحابة، وكان غايةً في الفصاحة، تتصبب الحكمة من فيه ". (أي من فمه)
من شمائل الحسن:
١_كان الحسن شديد الحزن، وله هيبة عظيمة ، قال أحد أصحابه:"ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة".
٢_كان شديد التواضع وكان يقول: نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا. فقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم، هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إن من عصى الله فقد حاربه، والله لقد أدركت سبعين بدرياً، لو رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رؤوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق، ولو رؤوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب. و كان يقول : ( لقد أدركت أقواما ما أنا عندهم إلا لص ) !! .لقد كان يراقب صفوة الصحبة الذين تربوا في مدرسة النبوة فكان يقول : ( أدركت أقواما : ما تطوى لأحدهم في بيته ثوب قط , ولا أمر في بيته بصنعة طعام قط , وما جعل بينه وبين الأرض شيئا قط ) !! .
٣_كانت تغشاه خشيه الرحمن ورقيق القلب قال حمزة الأعمى:وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه فقلت له يوماً: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة. فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل، لعله تعالى أن يرحمك. ثم ناد الحسن: بلغنا أن الباكي من خشية الله لا تقطر دموعه قطرة حتى تعتق رقبته من النار.وعن حفص بن عمر قال:بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي.
٤_يخاف الله، فيقول الحسن رحمه الله: "يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه".
وروى الطبراني عنه أنه قال: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة. يقول أحدهم: إني لحسن الظن بـالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بـالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة (الصحراء) من غير زاد ولا ماء أن يهلك.
٥_كان قوامًا فقد جاء شاب إليه فقال: أعياني قيام الليل (أي حاولت قيام الليل فلم أستطعه) فقال: قيدتك خطاياك.وجاءه آخر فقال له: إني أعصي الله وأذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء فقال له الحسن: هل تقوم الليل؟ فقال: لا، فقال: كفاك أن حرمك الله مناجاته.
٦_كان مسلمًا بما يجب ان تحوي وتعني كلمة مسلم وكان يقول: من علامات المسلم قوة دين، وجزم في العمل وإيمان في يقين، وحكم في علم، وحسن في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة. لا ترديه رغبته ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يقلبه فرجه، ولا يميل به هواه، ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نغيته.
٧_كان يسعى لرضى الخالق ولم يشغل قلبه وفكره بالمخلوقين فقد قال له رجل: إن قوماً يجالسونك ليجدوا بذلك إلى الوقيعة فيك سبيلاً . فقال: هون عليك يا هذا، فإني أطمعت نفسي في الجنان فطمعت، وأطمعتها في النجاة من النار، فطمعت، وأطمعتها في السلامة من الناس فلم أجد إلى ذلك سبيلاً، فإن الناس لم يرضوا عن خالقهم ورازقهم فكيف يرضون عن مخلوق مثلهم؟.
٨_كان صوامًا فقد كان يصوم الأيام البيض، والأشهر الحرم، والإثنين والخميس.
٩_وقبل كل هذا هو مؤسس علم إصلاح القلوب فكان العمل عنده أرجح من العلم ويخبرنا بذلك قول ابن العماد : ( وقيل ليونس بن عبيد : أتعرف أحدا يعمل بعمل الحسن ؟ والله ما أعرف أحدا يقول بقوله , فكيف يعمل بعمله ؟ ) ثم وصفه فقال : ( كان إذا أقبل فكأنه من دفن حميمه , وأذا جلس فكأنه أسير أمر بضرب عنقه , وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له )
تحدثنا اليوم في نبذة موجزة عن أسرة الحسن البصري ومولده الكريم ونشاته العظيمة وأقوال بعض الصحابة والتابعين وعلماء الامة عنه وبعض شمائله وسنتحدث في القادم عن بعض مواقفه التي منها ما هو طريف وشيق جدًا وعن علمه وماذا أعطى هذا الرجل للدعوة الإسلامية وكيف لا نتحدث عنه في بداية سلسلتنا وهو سيد التابعيين المجددين ومؤسس علم إصلاح القلوب.
تعليقات: 0
إرسال تعليق