التابعين المجددين(الحسن البصري) ٢

التابعين المجددين(الحسن البصري) ٢

    وقفات من حياة الحسن البصري:


    ١. موقف الحسن البصري مع الحجاج :
    لما تولى الحجاج بن يوسف الثقفي حكم العراق، ظلم وأخذه الطغيان على أشده وكان الحسن البصري من القليلين الذين تصدوا لظلمه، ووقفوا أمامه وقالوا كلمة الحق بين يديه، ولما عرف الحجاج بان الحسن البصري تحدث عن سوء فعله في مجلسه، دخل الحجَّاجُ إلى مجلسه، وهو يتميَّز من الغيظ، وقال لجلاَّسه: تبًّا لكم، سُحقا، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يردُّه، أو ينكر عليه، واللهٍ لأسقينَّكم من دمه يا معشر الجبناء، ثم أمر بالسيف والنطع -إذا كان يُريد قطعَ رأس إنسان بمكان فيه أثاث فاخر حتى لا يلوِّث الدمُ الأثاثَ يأتون بالنطع، والنطع قطعة قماش كبيرة، أو قطعة جلد، إذا قُطع رأسُ من يُقطع رأسُه، لا يلوِّث الدمُ الأثاث، ثم أمر بالسيف والنطع فأُحضِر، ودعا بالجلاد فمَثُل واقفا بين يديه، ثم وجَّه إلى الحسن بعضَ جنده، وأمرهم أن يأتوا به، ويقطعوا رأسه، وانتهى الأمرُ، وما هو إلا قليل حتى جاء الحسنُ، فشخصت نحوه الأبصارُ، ووجفت عليه القلوبُ، فلما رأى الحسنُ السيفَ والنطع والجلادَ حرَّك شفتيه، ثم أقبل على الحجاج، وعليه جلالُ المؤمن، وعزة المسلم، ووقارُ الداعية إلى الله، فلما رآه الحجاجُ على حاله هذه هابه أشدَّ الهيبة، وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، تعالَ اجلس هنا، فما زال يوسع له ويقول: ها هنا، والناس لا يصدَّقون ما يرون، طبعا طُلب ليقتل، والنطع جاهز، والسيَّاف جاهز، وكلُّ شيء جاهز لقطع رأسه، فكيف يستقبله الحجَّاج، ويقول له: تعال إلى هنا يا أبا سعيد، حتى أجلسَه على فراشه، ووضَعَه جنبه، ولما أخذ الحسنُ مجلسه التفت إليه الحجَّاجُ، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسنُ يجيبه عن كلِّ مسألة بجنان ثابت، وبيان ساحر، وعلم واسع، فقال له الحجاج: أنت سيدُ العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغالية -نوع من أنواع الطيب- وطيَّب له بها لحيته، وودَّعه، ولما خرج الحسنُ من عنده تبعه حاجبُ الحجاج، وقال له: يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاجُ لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك، والذي حدث أنه أكرمك، وإني رأيتك عندما أقبلت، ورأيتَ السيفَ والنطعَ قد حرَّكتَ شفتيك، فماذا قلت؟ فقال الحسن: لقد قلت: يا وليَ نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته بردا وسلاما عليَّ، كما جعلت النارَ بردا وسلاما على إبراهيم.


    ٢.موقف الحسن البصري مع عمر بن عبد العزيز:
     ذكر ابن أبي الدنيا أن الحسن البصري كتب الى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن الدنيا دار ظعن، ليست بدار إقامة، إنما أنزل إليها آدم عليه السلام عقوبة، فاحذرها يا أمير المؤمنين، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها. هي كالسم يأكله من لا يعرفه، وهو حتفه فكن فيها كالمداوي جراحه، يحتمي قليلًا، مخافة ما يكره طويلًا، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة، الخداعة الختَّالة، التي قد تزينت بخدعها، وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهى لأزواجها كلهم قاتلة، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى، ونسى المعاد فشَغل بها لُبَّه، حتى زّلت عنها قدمه، فعظمت عليه ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه، وحسرات الفوت. وعاشق لم ينل منها بغيته، فعاش بغُصته، وذهب بكمده، ولم يدرك منها ما طلب، ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد. فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، وُصِل الرخاء منها بالبلاء، وجُعل البقاء فيها إلى فناء. سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبرًا، ولم يضرب لها مثلًا، لكانت قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل. فكيف وقد جاء من الله فيها واعظ وعنها زاجر؟ فما لها عند الله قدر ولا وزن، ولا نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا تُنقِصُه عند الله جناح بعوضة، فأَبَى أن يقبلها، كره أن يحب ما أبغض خالقُه، أو يرفع ما وضع مليكه. فزواها عن الصالحين اختيارًا، وبسطها لأعدائه اغترارًا. فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أُكْرِم بها، ونسى ما صنع الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وسلم حين شد الحجر على بطنه". وقال الحسن أيضا: "إن قومًا أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب فأهينوها فأهنأ ما تكون إذا أهنتموها".


    ٣.وعظه لميمون بن مهران:
    عن عمرو ابن ميمون بن مهران قال: بعدما كبر أبي وذهب بصره قال لي: هلم بنا إلى الحسن البصري فخرجت به أقوده إلى بيت الحسن البصري، فلما دخلنا على الحسن قال له أبي: يا أبا سعيد قد أنست من قلبي غلظة، فاستلن لي منه، فقرأ الحسن :
    {أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ . ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ . مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}
     فبكى أبي حتى سقط، وأخذ يضرب برجله الأرض كما تضرب الشاة المذبوحة، وأخذ الحسن البصري يبكي معه وينتحب، فجاءت الجارية فقالت:
    قد أتعبتم الشيخ، قوموا تفرقوا، فأخذتُ بيد أبي فخرجت به، فلما صرنا في الطريق وكزني أبي في صدري وكزة، ثم قال: يا بني لقد قرأ علينا آيات لو فهمتها بقلبك لأبقت فيه كلومًا -أي جروحًا- نعم لا بُدَّ من شَكْوَى إِلى ذي مُروءَة *** يُوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أو يَتَوَجَّع. 


    ٤.حديثه مع  ابن هبيرة عن اليزيد بن عبد الملك:
    عندما تولي عمر بن هبيرة الفزاري حكم العراق وانضمت إليه خراسان في ولاية يزيد بن عبد الملك   فدعا لمجلسه الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وذلك في عام ثلاث ومائة فقال لهم :
    إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده وأخذ عليهم الميثاق بطاعته وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة وقد ولاني ما ترون فيكتب إلي بالأمر من أمره فأنفذ ذلك الأمر فما ترون؟
     فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية.
    فقال ابن هبيرة ما تقول يا حسن؟
    فقال يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله وأوشك أن يبعث إليك ملكا فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ثم لا ينجيك إلا عملك يا ابن هبيرة إن تعص الله فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرا لدين الله وعباده فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فأجازهم ابن هبيرة وأضعف جائزة الحسن فقال الشعبي لابن سيرين سفسفنا له فسفسف لنا.
    ٥.حكمته في الوباء:
    قيل له ألا ترى كثرة الوباء فقال:
    أنفق ممسك وأقلع مذنب واتعظ جاحد.
    ٦.تعامله مع المغتاب:
     قيل للحسن إن فلانًا اغتابك فبعث إليه طبق حلوى وقال: بلغني أنك أهديت إلي حسناتك فكافأتك بهذا.


    هذه بعض المواقف القليلة للحسن البصري ولكن الإمام له كثير من المواقف التي تبين حكمته وحلمه ورحمته وعلمه وكيف يعمل على القلب وإصلاحه ولكن المجال لا يتسع لذكرها فأرجو أن تتوسعوا في قرائتكم عن سيد التابعيين لتعرفوا ماذا قدم هذا الرجل لنا وكيف كان عظيمًا وبالطبع لن ينته حديثنا عنه لهذا الحد بل للحديث بقية في الجزء القادم. 



    أمنية خالد
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الهنتريش .