الملك

الملك

    الله سبحانه وتعالى هو الملك المتحكم في كل الكون ومدبر كل الأقدار والقادر على كل شئ فله الملك وهو المستحق للحمد على ملكه فهذا الملك يشمل عطاءه وبذله وقبضه وبسطه وحكمته ورحمته ولطفه ولذلك : "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"
     أفضل ما قاله النبي_ صلى الله عليه وسلم _والنبيون من قبله.
    يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "اسمه (الملك) يقتضي:
    مملكة وتصرفًا، وتدبيرًا، وإعطاءً، ومنعًا، وإحسانًا، وعدلاً، وثوابًا، وعقابًا
    ". 


    إسم الله الملك في الكتاب والسنة:

    إسم الله الملك ذكر في كتاب الله عز وجل كما في قوله -: ﴿ فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾
    وفي السنة:
      في دعاء النبي_ صلى الله عليه وسل_ الذي كان يفتتح به صلاته، وفي كل كلماته اعتراف بملك الله دعاءٌ كله، وأن كل ما في الوجود ملكه وإليه راجع، فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال:
     "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ صَلاَتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِيَ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ، لاَ يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ. لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" رواه مسلم.
    ولا يخفى علينا أن الله سبحانه وتعالى يتنزل للسماء الدنيا بعد انتهاء الثلث الأول من الليل ليعطي كل منا مسألته من عطاء او غفران أو استجابة للدعاء ويقول:
    "أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ. مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ. فَلاَ يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضيءَ الْفَجْرُ" متفق عليه.


    وذكر بصيغة اسم الفاعل: "مالك":

     في قوله "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ". عند من يقرأها مالك، وقوله - تعالى -: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾
    وكما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ مَالِكَ إِلاَّ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -" مسلم.


     وذكر بصيغة "مليك"، كما في قوله - تعالى -:

    ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾.
    وكما في الدعاء الذي علم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أن يقوله في الصباح والمساء. قال: "قُل: اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ". قَالَ: "قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ" صحيح سنن الترمذي.


    الفرق بين الملك والمالك والمليك :

    الملك :مبالغة وهو أعم من المالك فليس كل مالك متصرف فيما يملكه، قال الإمام الغزال_رحمه الله_:الملك: هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود".
    والملك :هو صاحب المُلك، وهو الذي يملك التصرف المطلق كما يشاء ويقدر قال - تعالى -: ﴿ وَلِلهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
    أما المليك: أكثر مبالغة في تأكيد المُلك لله - تعالى -، فهو ملك، ومالك، وصاحب الملك في الدنيا، والملكوت في الآخرة. "اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ".

    من صفات الله - عز وجل - التي يستلزمها اسم الله (المَلِك):
     العدل، القبض، البسط، الخفض، الرفع، العطاء، المنع، الإعزاز، الإذلال، القهر والحكم، ونحوها.
    وعدم خروج أمر من هذه الأمور، أو فعل من الأفعال البَتَّة عن تصرف المَلِك الحق - سبحانه وتعالى - وتدبيره، وإلا لم يُعقَل له ثبوت مُلْك على الحقيقة، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى- "قوله:
        { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ }
    والمَلِك: هو المُتصرف فيما هو مَلك عليه ومالك له ،
    ومن لا تَصَرُّفَ له ولا يقوم به فعل البَتَّة.


    مما تقتضيه صفة الملك الحقيقي لله سبحانه وتعالى:

    ١_أنه رحيم مَنزه عن الظلم.
    فقد اقترن اسمه سبحانه (المَلِك) باسمه (القدوس)، (السلام)، ليبين أنه_ عز وجل_ مع كونه مَلِك قاهر يتصرف كما يشاد ويقدر ، إلا أنه_ عز وجل_ مُنزه ومُبرّأ في أفعاله من الظلم والجور فهو العدل وهو السلام الذي سَلِمَ عباده من ظلمه، وهو المؤمن الذي يُؤَمِّن عبيده من جوره وظلمه.
    فثبت أن كونه مَلِكًا لا يتم إلا مع كونه رحيمًا قدوسًا سلامًا.
    ٢_أنه المشرع لأحكام الدين والدنيا فإسم الملك يقتضي[الحكم والتشريع]، ويجب على العباد الخضوع لأحامه وشرعه وعدم التحاكم لغيره فالحكم له وحده فهو الملك.
    قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.
    وقال سبحانه: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}.
    فلا أكمل ولا أتم وأفضل من حكمه سبحانه فقد قال تعالى:
    {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
    ٣_ أنه المالك الحقيقي لخزائن السماوات والأرض.
    فملوك الدنيا تنقص خزائنهم بالنفقة،أما الملك_ سبحانه وتعالى_ لا تنقص خزائنه بالعطاء والإحسان، بل تزداد، كما جاء في الحديث القدسي:
     (...يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، اجتمعوا في صعيد واحد، ثم سألوني فأعطيت كل سائل مسألته، ما نقص ذلك عندي إلا كما ينقص البحر... الحديث) [رواه مسلم]
    ٤_أنه مَلِكا ومالكا ليوم الدين، لأنه المتصرف وحده فيه لا ينازعه أحد، وبهذا يقطع ذريعة الجبابرة والطواغيت ويقهرهم يوم الدين ، فقد نازعوا الله في ملكه في الدنيا، كنمرود الذي ادعى أنه إله فقال: "أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ".
     وكفرعون الذي قال: "أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي".
    ولذلك ينادي ربنا - عز وجل - في الخلائق يوم القيامة: ﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾، ينادي ويقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟"، فيجيب نفسه أو تجيبه الخلائق: "لِلهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ".
    وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يَطْوِي اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟" متفق عليه.
    ٥_ أنه المتصرف في ملكه يوم الدين، ويبدل الكون بأرضَه وسماءَه بإرادته وقدرته وملكه، لا ينازعه أحد في ذلك. قال - تعالى -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾.
    ٦_وأنه_ سبحانه وتعالى_هو المالك لأمر خلقه فلا يملكون من أمرهم شيئا، يحشرون - كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"مُشَاةً، حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلاً (غير مختونين)" متفق عليه، حتى إذا سألت عائشة - رضي الله عنها - قائلة:
    "النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ قَالَ لها - صلى الله عليه وسلم -: "يَا عَائِشَةُ، الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ" متفق عليه.
    ما ذكرناه بعض مما تقتضيه صفة الملك وليس كلها والله أعلم.


     بعض آثار الإيمان والتعبد بإسم الله الملك:

    ١_الاعتصام بالملك والاستعانة والاستغاثة به وحده:
     وأن لا نلوذ في نوائبنا ومصائبنا إلا به سبحانه.
    قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ}
     ٢_نعترف بأنه ملكه مطلق فيملك الإيجاد والتصرف والتحكم في مصير كل منا وأن كل ما أعطانا مم ملك في الدنيا يفنى ويزول فقد قال سبحانه" كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ". قال إبراهيم بن أدهم لمن أراد معصية الله: "أيليق بك أن تعصي الله وأنت تسكن في أرضه، وتأكل من رزقه، وتعلم بدنو أجلك، وأنك لا تستطيع أن تفر من زبانية جهنم؟".
     ٣_ تسمية الأبناء وتعبيدهم باسم الله الملك. وقد قال أهل العلم أن أفضل الأسماء: عبد الله، وعبد الرحمن، ثم عبد الملك، وعبد العزيز.
     ٤_تعلق النفس به فلا يهفو القلب إلا إليه فلا نتعلق بشهوات الدنيا من مال وسلطان وأنساب وأمجاد فكلها زائله وكلها معلودات من دون الله لا تملك للإنسان ضرًا ولا نفعًا ولن يجيرك سوى الملك فاعرفه في الرخاء يعرفك في الشدة قال - تعالى -:
    ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
    ٥- دعاء الله وتمجيده باسمه "الملك". فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أصبح قال:
    "أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلهِ"، وإذا أمسى قال: "أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلهِ" مسلم. وأمرنا أن نقول بعد كل صلاة مكتوبة: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" متفق عليه، وأن نكرر هذا الدعاء عشر مرات بعد صلاة الفجر قبل أن نتكلم - كما حسنه في ص. الترغيب، وأن من قاله في يوم مائة مرة، "كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلاَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ" متفق عليه.

    ٦- لا نطمع سوى في رحمته ورزقه فلا تمتد أعيننا لما عند خلقه، فنزهد في خزائنهم الدنيوية الفانية ونطمع في خزائنه الباقية، فقد سأل رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، دُلَّني عَلى عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وأحَبَّنِيَ النَّاسُ. فقال له: "ازهَدْ فِي الدُّنيا يُحِبَّكَ اللهُ، وازهَدْ فيمَا في عند النَّاسِ يُحبَّكَ النَّاسُ" صحيح سنن ابن ماجة. وسئل الحسن البصري - رحمه الله -: بمَ نلت هذا المقام؟ قال: "باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي".
     وقد أشار بعض المفسرين إلى أن المقصود بالمُلك في قول يوسف - عليه السلام -: "رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ"، مُلكُ النفس، والسيطرةُ على الشهوات، حيث قال عند فورة الشهوة: ﴿ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّيَ أَحْسَنَ مَثْوَاي ﴾ .
     و هارون الرشيد عندما وافته المنية ، قال لمن حوله: أروني قبري الذي سأدفن فيه، فحملوه إليه، فلما رآه، بكى بكاء شديدا، وقال: "يا مَن لا يزولُ ملكه، ارحَم من قَد زالَ مُلكه".

    أمنية خالد
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع الهنتريش .

    إرسال تعليق