الصوامة القوامة، والتي نزل الوحي فيها مرتين، تارة معاتبًا وأخرى مزكيًا من فوق سبع سماوات يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها بعد تطليقها.
إنها أم المؤمنين حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وأمها زينب بنت مظعون رضي الله عنهم أجمعين .
ميلادها:
ولدت قبل البعثة النبوية بخمس سنوات، وهذه السنة التي شارك فيها النبي صلى_ الله عليه وسلم_ في بناء الكعبة.
زواجها وإسلامها :
ولما بلغت الثانية عشر من عمرها وكان سنًا يصلح فيه زواج الفتاة عند العرب سنّ تقدّم إليها خُنيس بن حُذافة السهمي فتزوّجها ، حتى رزقهم الله نور الإسلام وطريق الهداية ، فكانا من السابقين الأوّلين للإسلام .
هجرتها:
وعندما أذن الله بالهجرة للمسلمين ، هاجرت حفصة مع زوجها إلى المدينة،ولم يمكثوا فيها طويلاً حتى مات زوجها فقد قاتل في بدر وجرح فيها كثيرًا ثم شهد أحد وخرج منها بجراحات عميقة وكثيرة ولم يمكث بعد طويلاً حتى جاءه اليقين وتوفي في السنة الثالثة من الهجرة، تاركًا حفصة (رضي الله عنها).
زواجها من النبي (صلى الله عليه وسلم) :
وكان عمر بن الخطاب شأنه مثل أي أب يحزن على إبنته مشفقَا على حالها، وكان يريد مواساتها فأخذ يبحث لها عن زوج صالح، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
" لقيت عثمان بن عفان ، فعرضت عليه حفصة ، فقلت : إن شئت زوّجتك حفصة بنت عمر ، قال عثمان : سأنظر في أمري ، فلبث عثمان ليالي ، ثم اعتذر لعمر بأنه لا رغبة له في الزواج ، قال عمر : فلقيت أبا بكر ، فقلت : إن شئت زوّجتك حفصة بنت عمر ، فسكت أبو بكر ، ولم يُرجِع إلى عمر بجواب ، قال عمر : فكان غضبي من فعل أبي بكر وعدم ردّه أشدّ من غضبي لرد عثمان ، قال عمر : فلبثت ليالي ، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزوّجته إياها ، فلقيني أبو بكر ، فقال: لعله كان في نفسك شيءٌ عليّ حين لم أُرجع إليك جواباً في حفصة ؟ ، قلت : نعم ، قال : فإنه لم يمنعني من ذلك إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها ، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو تركها لقبلتها ".
حياتها مع النبي(صلى الله عليه وسلم) :
وصارت حفصة زوجة للنبي_ صلى الله عليه وسلم_وما أعظمه من زوج وما أجمله من تشريف، وكانت ذكية شغوفة بالعلم والمعرفة فطنة وسنستشعر هذا في أسئلتها وحوارها مع رسول الله _صلى الله عليه وسلم _ فمن ذلك أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلا من أهل مكة ، حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم ، فرجع من كان إمامهم لينظر ما فعل القوم ، فيصيبهم مثل ما أصابهم ) . فقالت : يا رسول الله ، فكيف بمن كان منهم مستكرها ؟ ، فقال لها : ( يصيبهم كلهم ذلك ، ثم يبعث الله كل امرئ على نيته ) .
وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنى لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحداً شهد بدراً والحديبية ) ، فقالت : ( أليس الله عز وجل يقول : { وإن منكم إلا واردها } ، فأجابها : { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيّا }.
يقول الإمام النووي معلّقا : " فيه دليل للمناظرة والاعتراض ، والجواب على وجه الاسترشاد ، وهو مقصود حفصة ، لا أنها أرادت رد مقالته صلى الله عليه وسلم " .
ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أن يحللن بعمرة قالت له : ما يمنعك يا رسول الله أن تهلّ معنا ؟ ، قال : ( إني قد أهديت ولبدت ، فلا أحل حتى أنحر هديي ) .
ولأنها عاشت مع أخلاق_ النبي صلى الله عليه وسلم_ورأت شمائله الكريمة ومناقبه الحميدة فكانت تنقل لنا أحوال عبادته وجوامع كلمه فقد قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر : الإثنين والخميس ، والإثنين من الجمعة الأخرى ، وتقول :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده وقال ( رب قني عذابك يوم تبعث عبادك ) ثلاث مرات ".
نزول الوحي فيها مرتين:
وقد أقر جبريل لها بالصلاح والتقوى ، وذلك حينما نزل بالوحي للنّبي _صلى الله عليه وسلم_ويقول له أن يراجعها بعد أن طلّقها مرة بسبب إفشاءها سر النبي _صلى الله عليه وسلم_لأم المومنين عائشة بأن النبي_ صلى الله عليه وسلم_ حرم على نفسه مارية فنزل القرءان معاتبًا لها وللنبي _صلى الله عليه وسلم _بآية التحريم يقول الله سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ ..... ، فحزن عمر حزنًا شديدًا، وقال: ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد هذا، فنزل جبريل في اليوم التالي على الرسول _صلى الله عليه وسلم_مزكيًا لحفصة قائلًا:
إن الله يأمرك أن تراجع حفصة.. فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة.
بعض مناقبها:
١_وقوع الإختيار عليها لحفظ نسخة المصحف الأولى، والتي جمعها أبوبكر رضي الله عنه من أيدي الناس بعد أن مات أكثر القرّاء ، وظلت عندها حتى خلافة عثمان رضي الله عنه .
٢_رُوي لها ستون حديثًا، أخرج البخاري منها ثلاثة.
٣_وعاشت رضي الله عنها تحيي ليلها بالعبادة وتلاوة القرآن والذكر
وفاتها:
ماتت أم المؤمنين السيدة حفصة رضي الله عنها في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين من الهجرة.
وقيل: توفيت في شعبان سنة خمس وأربعين، وصلى عليها مروان بن الحكم، وهو يومئذ عامل على المدينة.
تعليقات: 0
إرسال تعليق