قبل أن نتحدث عن إسم الله القدوس دعوني أذكركم بحكاية خلق الله آدم عليه السلام وإخباره للملائكة كما ذكر في قوله _تعالى_في القرءان الكريم:(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وكان جوابهم كما ذكر في القرءان أيضَا في قوله ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ...) فهل سألنا ذواتنا ما معنى نقدس لك في الآية؟! كلنا يفقه معنى العبادة والتسبيح ولكن قليل منا من يقدس له.
ومعنى نقدس لك في الآية:أي نطهر أنفسنا وقلوبنا لك.
قال الزجاج : معنى (( نقدس لك )) أي : نطهر أنفسنا لك .
وقال الفراء : الأرض المقدسة الطاهرة ، وهي دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، و(( روح القدس )) هو جبريل عليه السلام معناه روح الطهارة ، أي : خُلِقَ من الطهارة .
والقدس له معنيان في اللغة :
أولهما : أن (( القدوس )) فعول من القدس وهو الطهارة ، و(( القَدَس )) بالتحريك السطل بلغة أهل الحجاز ؛ لأنه يُتقدس منه : أي يُتطهر منه .
ثانيهما : أنَّ القدس : هي البركة ، والأرض المقدسة أي : المباركة ، وهو قول قتادة ، وإليه ذهب ابن الأعرابي ، ويقويه أن اللَّه تعالى قد بيَّن أن الأرض المقدسة مباركة ، وذلك في قوله تعالى : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } ، وهي الأرض المقدسة.
(( والقُدُّوس )) على وزن : (( فعول )) بالضم من أبنية المبالغة.
معنى اسم الله القدوس :
قال ابن القيم : (( القدوس )) : المُنَزَّه من كل شر ونقص وعيب ، كما قال أهل التفسير هو الطاهر من كلِّ عيب ، المُنَزَّه عمَّا لا يليق به .
وقال ابن جرير في قوله تعالى : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }، {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } : ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك ونصلي لك ، {وَنُقَدِّسُ لَكَ} : ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك .
وقال البيهقي : (( القدوس )) هو الطاهر من العيوب المنزه عن الأولاد والأنداد ، وهذه صفة يستحقها بذاته .
وقال الغزالي : هو المنزه عن كل وصف يدركه حسٌّ ، أو يتصوره خيال ، أو يسبق إليه وهم ، أو يختلج به ضمير ، أو يقضى به تفكير .
وقال ابن كثير في معنى القدوس : أي المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال.
وقال الألوسي : (( القدوس )) البليغ في النزاهة عما يوجب نقصانًا أو الذي له الكمال في كل وصف اختص به ، أو الذي لا يحد ولا يتصور.
إسم الله القدوس في القرءان الكريم:
ذكر إسم الله القدوس في موضعين في القرءان الكريم:
أولهما : في سورة الحشر في قوله تعالى : { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ }.
ثانيهما : في بداية سورة الجمعة وهو قوله تعالى : (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)
الآثار الإيمانية للتعبد بإسم الله القدوس:
الإيمان بالقدسية لله من كل الوجوه قدسية تامة له:
فهو قدوس في صفاته وأفعاله وأسمائه في أسماء وصفاته وأفعاله ، فالله سبحانه وتعالى هو المنزه عن كل النقائص والعيوب و الآفات ، ومن ذلك:
أولاً : تنزه وتقدس أن يكون له شريك :
قال تعالى : { اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ }، وقال تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ }.
ثانيًا : تنزه وتقدس أن يكون له زوجة أو ولد :
قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } .
ثالثًا : تنزه وتقدس عن الموت ، والنوم :
قال تعالى : { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ } . وقال تعالى : { اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام )).
رابعًا : تنزه وتقدس عن الظلم والجور :
قال تعالى في الحديث القدسي : (( يا عبادي ، إني حرمتُ الظلم على نفسي وجعلتُه بينكم محرمًا فلا تظالموا )) .
وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } . و هذا مع قدرته على الخلق فهو مالكهم، ولذلك فقد اقترن اسم
(( القدوس )) مرتين في القرءان باسم الملك جل وعز .
خامسًا : تنزه وتقدس عن الكذب :
قال سبحانه : { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } ، وقال تعالى : { وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا }.
سادسًا : تنزه وتقدس عن الضلال والنسيان :
أخبر تعالى عن نبيه موسى أنه قال : { لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى }
سابعًا : تنزه وتقدس عن الفقر والبخل - جل جلاله وتقدست أسماؤه :
قال تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ } .
وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يد الله ملأى لا تغيضها نفقة سَحَّاء الليل والنهار ، وقال أرأيتم ما أنفق منذ خلق الله السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يده )) .
ثامنًا : تنزه وتقدس عن الفناء :
قال تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ }.
تاسعًا : تنزه وتقدس عن الشبيه والمثيل :
قال تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }
ولا نستطيع حصر أوجه التنزه و التقديس لله عز وجل؛ لأنها لا نهاية لها وقال النبي صلى الله عليه وسلم :
(( لا أُحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ))
ليس كمثله شيء :
فهو القدوس عن كل عيب ومن قدسيته أنه ليس كمثله شئ فهو :
١_له قدسية تامة والخلق قدسيتهم ناقصة:
فقد يتنزه العبد في حال دون آخر وقد يتطهر مثلا حين العبادة ولا يكون طاهرًا في حال قضاء حاجته فقدسيته ناقصة تناسب ضعفه كمخلوق، وقد يطهر الإنسان نفسه بالتوبة ولكنه يتدنس مرة أخرى بالمعصية والذنوب ، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( كل ابن آدم خطائين وخير الخطائين التوابون )).
وقد يقدس الإنسان نفسه وينزهها عن الذل وسؤال الناس ولكنه يظل دائما سائلاَ لله فقيرًا حقيرًا إليه .
أما الله جل وعز فهو القدوس و المنزه من جميع الوجوه عن كل نقص و عيبٍ .
قدسية الخالق دائمة ، وقدسية المخلوق مؤقتة :
فقدسية المخلوق لها بداية ولها نهاية فوجودهم سبقه العدم ، ويلحقه الفناء ، قال تعالى : { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } وقال تعالى لنبيه زكريا :
{ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا }.
فقد سَبق قدسيةَ خلقهم عدمُهم ،و كمالهم نقصُهم، فقدسية المخلوقات مؤقتة .
فعن ميسر بن جحاش القرشي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بزق يومًا في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال (( قال الله تعالى : يا ابن آدم ، أنَّى تُعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعَدَلْتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد ، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التَّراقي قلت :
(( أتصدق وأنَّى أوان الصدقة )).
ويُروَى أن أحد الملوك كان ماشيًا في موكبه فرأى رجلاً جالسًا تحت شجرة ، فلما مرَّ عليه لم يقم الرجل ولم يعظمه ، فقال له أو لا تعرفني ؟ قال : بل أعرفك :
(( أوَّلُك نطفة قذرة ، وآخرك جيفة مزرة ، وأنت بين ذلك تحمل في بطنك العذرة)) .
أمَّا قدسيته سبحانه دائمة فلم يسبق وجودها عدم ، ولا دنس ولا يلحقها نقص ولا خلل وليس لها نهاية ولا فناء .
التقديس الحق لله_ عز وجل _يكون باتباع شرعه :
كما قال تعالى عن الملائكة في قولهم : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ }، وأفضل ما يمكن تقديس الله به هو اتباع ما جاء في شرعه من كتابه وسنة رسوله.
وفي نهاية تعرفنا على معنى اسم الله القدوس أن نشغل أنفسنا بتقديسه وتطهير أنفسنا ؛ كي نرتقي لنكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة، وحَسُنَ أولئك، ونتبع سنة حبيبنا _صلى الله عليه وسلم_لنحظى في يوم الدين بشفاعته وفي الجنة بمجاورته.
تعليقات: 0
إرسال تعليق