ميلاده:
هو مالك بن دينار البصري، أبو يحيى.
ولِد في زمن عبد الله بن العباس، فهو من التابعين وليس من الصحابة كما يعتقد البعض، ولكنه كان متصفًا بصفاتٍ تشبه صفات صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلّم)
من تأثر بهم:
لقد كان مالك بن دينار متأثر بالخيرة من التابعين وبالاخص محمد بن واسع، فعن ابن شوذب قال:
قسم أمير من أمراء البصرة على قراء أهل البصرة فبعث إلى مالك بن دينار فقبل وأبى محمد بن واسع فقال: يا مالك قبلت جوائز السلطان؟ فقال: يا أبا بكر، سل جلسائي؟ فقالوا: يا أبا بكر اشترى بها رقابا فأعتقهم، فقال له محمد: أنشدك الله أقلبك الساعة له علي ما كان عليه قبل أن يجزيك، قال: اللهم لا قال: ترى أي شيء دخل عليك؟ فقال مالك لجلسائه: إنما مالك جمار إنما يعبد الله مثل محمد بن واسع.
واجتمع مالك بن دينار ومحمد بن واسع فتذاكرا العيش فقال مالك: ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلة يعيش فيها، فقال محمد: طوبى لمن وجد غداء ولم يجد عشاء، ووجد عشاء ولم يجد غداء وهو عن الله راض أو قال: والله عنه راض.
توبته
قال مالك بن دينار عن سبب توبته عندما سئل عنها، فقال: كنت شرطيًا وكنت منهمكًا على شرب الخمر، ثم إنني اشتريت جارية نفيسة ووقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتا فشغفت بها، فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حبًا وألفتني وألفتها، فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي وجاذبتني عليه وهرقته من ثوبي، فلما تم لها سنتان ماتت فأكمدني حزنها، فلما كانت ليلة النصف من شعبان وكانت ليلة الجمعة بت ثملاً من الخمر ولم أصل فيها عشاء الآخرة، فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت ونُفِخَ في الصور وبُعثِرَت القبور وحُشِرَ الخلائق وأنا معهم فسمعت حسًا من ورائي فالتفت فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مسرعًا نحوي، فمررت بين يديه هاربًا فزعًا مرعوبًا، فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه فرد السلام فقلت:
أيها الشيخ، أجرني من هذا التنين أجارك الله، فبكى الشيخ وقال لي: أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه، ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه، فوليت هاربًا على وجهي فصعدت على شرف من شرف القيامة فأشرفت على طبقات النيران فنظرت إلى هولها وكدت أهوي فيها من فزع التنين، فصاح بي صائح:
ارجع فلست من أهلها فاطمأننت إلى قوله، ورجعت ورجع التنين في طلبي فأتيت الشيخ فقلت:
يا شيخ، سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل فبكى الشيخ وقال:
أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل فإن فيه ودائع المسلمين فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك، قال: فنظرت إلى جبل مستدير من فضة، وفيه كوى مخرمة وستور معلقة على كل خوخة وكوة مصراعان من الذهب الأحمر مفصلة باليواقيت مكوكبة بالدر على كل مصراع ستر من الحرير، فلما نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربًا والتنين من ورائي؛ حتى إذا قربت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه، فإذا الستور قد رفعت والمصاريع قد فتحت فأشرف علي من تلك المخرمات أطفال بوجوه كالأقمار، وقرب التنين مني فتحيرت في أمري فصاح بعض الأطفال ويحكم أشرفوا كلكم فقد قرب منه عدوه فأشرفوا فوجًا بعد فوج، وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت علي معهم، فلما رأتني بكت وقالت:
أبي والله ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربًا، ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي وقالت:
يا أبت {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}، فبكيت وقلت:
يا بنية، وأنتم تعرفون القرآن؟ فقالت:
يا أبت نحن أعرف به منكم، قلت:
فأخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني؟ قالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم، قلت:
فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي؟ قالت: يا أبت ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء، قلت: يا بنية وما تصنعون في هذا الجبل، قالت:
نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم، قال مالك: فانتبهت فزعًا وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الآنية، وتبت إلى الله وهذا كان سبب توبتي.
بعض مآثره:
١_زهده
قال سليمان التيمي: ما أدركت أحدًا أزهد من مالك بن دينار، وكان مالك يقول: وددت أن رزقي في حصاة أمتصها لا ألتمس غيرها حتى أموت. ويقول سلام بن أبي مطيع: دخلنا على مالك بن دينار ليلاً وهو في بيت بغير سراج، وفي يده رغيف يكدمه فقلنا: أبا يحيى ألا سراج؟ ألا شيء تضع عليه خبزك؟ فقال: دعوني فوالله إني لنادم على ما مضى.
وقال جعفر: شهدت المغيرة جاء إلى مالك بن دينار لما ماتت زوجة مالك بن دينار وهي امرأة المغيرة، فقال له يا أبا يحيى: انظر ما يصيبك من ميراث ابنتك فخذه قال: اذهب يا مغيرة فهو لك.
وعن أبو داود صاحب الطيالسة قال: سمعت شيخًا كان جارًا لمالك بن دينار، قد روى عنه قال: كنت مع مالك في طريق مكة فقال: إني داع بشيء فأمنوا عليه ثم قال: اللهم لا تدخل بيت مالك بن دينار من الدنيا قليلاً ولا كثيرًا.
ذات مرة شب حريق ببيت مالك بن دينار فأخذ المصحف وقطيفة وأخرجهما، فقيل له با أبا يحيى البيت!
قال:ما لنا فيه السدانة ما أبالي أن يحترق
٢_ وورعه
عرف عنه أنه كان حافظًا للقرءان مجتهدًا في تلاوته متعلقًا به، وكان يقرأه على أصحابه فإن سقط منه حرف قال: بذنب مني وما الله بظلام للعبيد.
وقال هشام بن حسان واصفًا خوف مالك بن دينار: انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن وعنده رجل يقرأ{والطور} حتى بلغ {إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع} فبكى الحسن وبكى أصحابه فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه.
وكان مالك بن دينار يقول: لو كان لأحد أن يتمنى لتمنيت أنا أن يكون لي في الآخرة خص من قصب وأروى من الماء وأنجو من النار.
قال الحارث بن سعيد: كنا عند مالك بن دينار وعنده قارئ يقرأ فقرأ: {إذا زلزلت الأرض زلزالها} فجعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون ويصرخون حتى انتهى إلى هذه الآية: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} فجعل مالك والله يبكي ويشهق حتى غشي عليه، فحمل من بين القوم صريعًا!
موقفه مع السارق
كان مالك بن دينار من من كثيري الوقوف أمام كتاب الله ومن البكائيين من خشيته ، و كان يؤثر في غيره حتى أنه أثر في سارقه، وذات مرة دخل عليه سارق فلم يجد ما يسرقه، فناداه مالك لم تجد شيئا من الدنيا، أترغب في شيء من الآخرة؟ قال: نعم قال: توضأ وصل ركعتين ففعل ثم جلس وخرج إلى المسجد فسئل من ذا؟ قال: جاء ليسرق فسرقناه.
وقيل أن المهلب مر على مالك بن دينار متبخترًا، فقال له: أما علمت أنها مشية يكرهها الله إلا بين الصفين فقال المهلب: أما تعرفني؟ قال: بلى أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، فانكسر وقال: الآن عرفتني حق المعرفة.
موقفه مع الحسن ومحمد بن واسع
روي أن مالك بن دينار ومحمد بن واسع دخلا منزل الحسن وكان غائبًا، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت سرير الحسن فجعل يأكل فقال له مالك: كف يدك حتى يجيء صاحب البيت، فلم يلتفت محمد إلى قوله، وأقبل على الأكل، وكان مالك أبسط منه وأحسن خلقا فدخل الحسن وقال: يا "مويلك" هكذا كنا لا يحتشم بعضنا بعضا حتى ظهرت أنت وأصحابك.
من كلماته
كان يقول: يا حملة القرآن! ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن القرآن ربيع المؤمن، كما أن الغيث ربيع الأرض فقد ينزل الغيث من السماء إلى الأرض فيصيب الحش فتكون فيه الحبة فلا يمنعها نتن موضعها أن تهتز وتخضر. فيا حملة القرآن! ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟
وقال أيضًا : خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها قيل: وما هو قال معرفة الله تعالى.
وعنه: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى فكيف والآخرة من ذهب يبقى والدنيا من خزف يفنى؟!.
وفاته:
عن عمارة بن زادان أن مالك بن دينار لما حضره الموت قال: لولا أني أكره أن أصنع شيئًا لم يصنعه أحد كان قبلي؛ لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن يقيدوني وأن تجمعوا يدي إلى عنقي فينطلق بي على تلك الحال حتى أدفن كما يصنع بالعبد الآبق.
وعندما وافته المنية لم يجدوا في بيته شيئًا إلا خلق قطيفة وسندانة، ومطهرة وقطعة بارية.
موعد وفاته:
توفاه الله سنة سبع وعشرين ومائة.
وقال يحيى: مات قبل الطاعون وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثين وقال خليفة بن خياط وغير واحد: مات سنة ثلاثين ومائة استشهد به البخاري في الصحيح.
تعليقات: 0
إرسال تعليق