تحدثنا في الجزء السالف من صحبة الصالحين تصلحك عن كيفية اختيار الصديق وحق النفس في إجادة الاختيار ولكن كما للنفس حقوق عليها واجبات تجاه هذا الصديق وينبغي على الإنسان أن يتحلى بها، ولذلك سنذكر اليوم أهم الحقوق التي يكفلها الإسلام للصديق في ضوء القرءان والسنة وقول وفعل السلف الصالح.
حقوق الصديق:
١_الحق الأول: الإعانة بالمال
فلا تبخل عليه وقت إحتياجه وفي هذا مراتب :
أول مرتبة: أن تفضله على نفسك فتؤثره على نفسك ولو كنت محتاجًا يقول سبحانه:(ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).
الثانية:تجعله بمثابة نفسك فتشاركه مالك وكأنه أخ لك له مثل ما لنفسك عليك وفي فعل الأنصار مع المهاجرين مثال عظيم لذلك فقد كانوا يتقاسمون الاموال والتجارة والمنازل.
الثالثة:وهذه أدنى مرتبة وهي أن تدنيه لمرتبة الخادم ولكن بدرجة أرقى فإن احتاج اعطيته أو وفرت له عملاً يمنحه ما يكفيه.
الحق الثاني: الإعانة بالنفس
روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)).
و كان أحد السلف الصالح يتفقد أحوال أولاد أخيه بعد وفاته أربعين سنةً، وكان يقضي حاجاتهم، ويعودهم كل يوم، ويمدهم من ماله وكأنهم لم يفقدوا من أباهم سوى جسده، بل كان حريصًا أن يروا منه ما هو أفضل مما كان في حياة أبيهم ليعوضهم فقدانه.
قال عطاء بن أبي رباح (رحمه الله): (تفقدوا إخوانكم بعد ثلاثٍ، فإن كانوا مرضى فعُودوهم، أو مشاغيل فأعينوهم، أو كانوا نسُوا فذكروهم).
وقال الله تعالى: ﴿ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾
الحق الثالث: استقباله بالإحتفاء والتسليم
الحق الرابع: مناداته بأحب الأسماء لقلبه
الحق الخامس: الترحيب به في أي مجلسه وإجلاسه بالقرب منك
وفي هذا يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلِّمَ عليه إذا لقيته أولًا، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه"
الحق السادس: التماس الأعذار له والعفو عن زلاته
ولكن هذا لا يعني عدم نصحه ولكن إن كانت هذه الذلة خطأ في دينه أيضًا حينها يكون التلطف فيالنصح وتقديم حسن الظن فيه بأنه له عذرًا يخفيه، فقد قيل: (ينبغي أن تستنبط لزلة أخيك سبعين عذرًا، فإن لم يقبله قلبك، فردَّ اللوم على نفسك، فتقول لقلبك: ما أقساك! يعتذر إليك أخوك سبعين عذرًا فلا تقبله؛ فأنت المعيب لا أخوك!)
وينبغي ألا يبالغ الصديق في بغض صديقه عند الوشاية والوقيعة بينهم؛قال تعالى: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً ﴾.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لا يكن حبك كلفًا، ولا بُغضك تلفًا).
الحق السابع: الدعاء له كما تدعو لنفسك
روى مسلم عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبدٍ مسلمٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب (أي: في غيبة المدعو له)، إلا قال الملَك: ولك بمثلٍ)).
كان أبو الدرداء (رضي الله عنه) يقول: (إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي، أسمِّيهم بأسمائهم).
كان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: (وأين مثل الأخ الصالح؟ أهلك يقتسمون ميراثك ويتنعَّمون بما خلفت، وهو منفرد بحزنك، مهتم بما قدمت، وما صِرت إليه، يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى).
قال بعض السلف: (الدعاء للأموات بمنزلة الهدايا للأحياء
الحق الثامن: الإخلاص في حبه والوفاء له
الإخلاص:أن تكون صادقًا في حبك له غير مخادع له.
أما الوفاء:فهو أن تظل محبًا له ثابتًا على ما كان بينكما حتى يمتد ذلك بعد موته لولده وأصدقائه وأهله، فإن الحب في الله مادام للآخرة، فمراعاة أبنائه بعد موته أوقع في قلبه أكثر من حبه هو فيفرح بتفقد من قلبه متعلق بهم، ولأن هذا من ثمرات التراحم والشفقة وهذه أسس تقوم عليها الصداقة.
الحق التاسع: ألا تحسده في دينه أو معاشه
ود وصف الله تعالى المحبين في الله تعالى: ﴿ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾.
العاشر: ألا تصاحب عدو صديقك
ولكن بشرط أن يكون صديقك على حق،إن كان صديقك هو الظالم فحينها يجب عليك نصحه وألا تشاركه في ظلمه بل ترده عن الظلم.
قال الإمام الشافعي (رحمه الله): (إذا أطاع صديقك عدوك، فقد اشتركا في عداوتك).
الحق الحادي عشر: عدم التكلف
فيجب عليك أن تخفف عنه، فلا تكلفه ما يشق عليه القيام به وتسبب له حرجًا.
قال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (شرُّ الأصدقاء مَن تكلف لك، ومن أحوجك إلى مداراةٍ، وألجأك إلى اعتذارٍ).
كان جعفر بن محمدٍ الصادق رضي الله عنهما يقول: (أثقل إخواني عليَّ من يتكلف، وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي مَن أكون معه كما أكون وحدي).
وقد أشار لهذا الأمر الإمام الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين فقال:
ومِن تمام هذا الأمر: أن يرى الصديق الفضل لإخوانه عليه، لا لنفسه عليهم، وأن ينزل نفسه مع إخوانه منزلة الخادم.
تحدثنا اليوم عن أهم حقوق الصديق،وهذا هو الجزء الثاني من صحبة الصالحين تصلحك،ونلتقي في الجزء الثالث لنتحدث عن أدب الخلاف وكيفية العتاب،وهذا أهم جزء؛ لأن الناس جميعًا متشابهون في الود ولا تظهر معادنهم سوى في الخلاف.
تعليقات: 0
إرسال تعليق