الجزء الأول (كيفية الاختيار)
يدور الإنسان بين ثنيات الدنيا باحثًا عن واحد منها يصفو له، وبما أن إناطة الأمور بمقاصدها ولأن الإنسان مدني بطبعه يحتاج لمن يلجأ إليه في أموره ويحتاج لمن يتسلى ويتسامر معه بعيدًا عن صخب الحياة وكما قالوا قديمًا الصديق سلوى، فينبغي على المسلم الفطن الذي لا يحب إلا في الله ولا يكره إلا فيه أن يتعلم كيفية الاختيار للصديق، كي يحسن اختيار من يرافقه ويجره إلى باب الجنان فقد قال سبحانه وتعالى :
( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ).
يقول الحسن البصري _رحمه الله_:-(استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة) لذلك من فقه الصحبة أن تختار التقي الذي يرتفع به شأنك في الدنيا ويرتقي بك في درجات الجنة إقتداءًا بما رواه أحمد عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء (يعني الإنسان) على دِين (عادة صاحبه وطريقته) خليله (صاحبه)، فلينظر (يتأمل ويتدبر) أحدكم من يخالل) لذلك سنتحدث عن كيفية اختيار الصديق ومعرفة حقوقه في ضوء الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح.
معايير اختيار الصديق الصالح
١_رجاحة العقل وبعض الحكمة
• قال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
فلا تصحب أخا الجهل
وإياك وإياهُ
فكم من جاهلٍ أردى
حليمًا حين آخاهُ
يُقاسُ المرءُ بالمرءِ
إذا ما المرءُ ماشاهُ
وللشيء على الشيء
مقاييس وأشباهُ
وللقلب على القلب
دليلٌ حين يلقاهُ
٢_الخلق الطيب
روى الترمذي عن أبي الدرداء: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسنٍ، وإن الله ليُبغض الفاحش البذيء).
٣_الزهد :
فلا تصاحب من تملأ الدنيا قلبه فينغص عليك حياتك بذكره لأموال الناس ويورث بقلبك الحقد أو الشح.
٤_الصدق :
فلا تصاحب كذابًا فتطبع بطبعه أو يخدعك؛فقد قال الإمام الغزالي في بداية الهداية لا تصاحب كذابًا؛ فإنه مثل السراب، يقرب منك البعيد، ويبعد منك القريب.
• قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: عليك بإخوان الصدق، فعِشْ في أكنافهم؛ فإنهم زَيْنٌ في الرخاء، وعدَّة في البلاء
ولا يجهل أحدنا قوله سبحانه :(قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
٥_الدين والتقوى:
وهذا هو المعيار الأول فقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي)).
ومن الجديد بالذكر أن هناك صفات لا تعد نحب أن تتوافر في الصديق ولكننا ذكرنا أهمها ودللنا على بعضها من الكتاب والسنة وقول السلف لأن من الفقه أيضًا مراعاة أن الصديق فيه عيوب لأن بشر فطرته النقص لذلك ذكرنا المهم والبقية تتوقف على التآلف والتآخي بين الأشخاص.
معيار الاختيار عند النبي (صلى الله عليه وسلم)
وسنختم حديثنا عن صفات الصديق الصالح بحديث النبي _صلى الله عليه وسلم_الذي بين فيه نعمة مجالسة الصالحين ونقمة مجالسة أضدادهم وفي الحديث تشبيه بليغ وافٍ يلخص لك فقه إختيار الصديق،وكيف لا؟! وهو من لسان من أوتي جوامع الكلم _صلى الله عليه وسلم _وإليكم الحديث :
روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مَثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك (يعطيك مجانًا)، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثةً)
تحدثنا اليوم عن كيفية إختيار الصديق ولكن كما وضعنا للصديق معايير لاصطفاءه لأنفسنا فهو كما قال الكندي قال: "الصديق إنسان هو أنت، إلا أنه غيرك"، لذلك كما لنفسك عليك حق الأختيار الجيد، للصديق أيضًا حقوق سنعرفها في الجزء القادم من فقه الصحبة.
تعليقات: 0
إرسال تعليق